في ندوة الوحدة .. خبيران دستوريان يناقشان الآثار الاجتماعية لأحكام «الدستورية» ودور السلطة التشريعية تجاهها

الأربعاء 19 فبراير 2020

 

 

نظمت وحدة أبحاث القانون والمجتمع، الخميس الماضي، ندوة عامة بعنوان «القضاء الدستوري المصري بعد نصف قرن .. رؤى حول الدور والأحكام» وذلك ضمن فعاليات الوحدة لإحياء ذكرى 50 عاماً على إنشاء القضاء الدستوري المصري.

وفي بداية الندوة قال مدير الندوة محمد بصل، منسق الأرشيف القانوني بالوحدة، إن هذه الندوة تأتي إسهاماً من الوحدة في إحياء الذكرى اليوبيل الذهبي للقضاء الدستوري المصري بإنشاء المحكمة العليا عام 1969 ومرور 40 عاماً على تحويلها إلى المحكمة الدستورية العليا عام 1979 لتواصل عملها باختصاصاتها القائمة حتى الآن، وأن هذا القضاء لا يمارس عمله في فراغ نظري، بل هو من الكيانات القانونية التي شهدت خلال نصف قرن تطورات كبيرة على مستوى المبادئ القضائية وأشكال الرقابة، مما انعكس بالإيجاب على مقاربة المحكمة الدستورية العليا للأشكال الحديثة من الحقوق والحريات والتي قطعت في ترسيخ بعضها أشواطاً أكبر من المحاكم الأخرى، وفي المقابل هناك أحكام ومواقف يرى المتخصصون أنها محل للنقد القانوني العلمي البنّاء.

وتحدث الدكتور شوقي السيد، المستشار والنائب السابق وأستاذ القانون، عن الآثار الاجتماعية لأحكام المحكمة الدستورية العليا على المراكز القانونية، بدأها بعرض لمسألة نشأة وتطور القضاء الدستوري في مصر، مؤكداً أن فكرة الرقابة الدستورية كانت موجودة قبل دستور 1923 حتى ولو لم يكن موجوداً وقتها قضاء دستوري متخصص، مؤكداً أن تلك الاثناء شهدت اختلافاً بين الملك فؤاد الأول وسعد زغلول رئيس الوزراء وقتها في تفسير النص الخاص بتعيين أعضاء مجلس الشورى بغير موافقة مجلس الوزراء، ومنهم من رأى أن هذا الأمر مخالف للدستور ومنهم من رأى أنه يتفق مع الدستور وفي النهائية احتكموا للنائب العام وقتها وكان بلجيكياً وانتصر لرأي سعد زغلول ضد الملك أحمد فؤاد ونفذ رأيه، وبالتالي فإن حاجتنا إلى أن تكون النصوص مراقبة دستورياً قائمة منذ قديم الأذل لأنه ما فائدة أن يكون الدستور قائماً وهناك من يخالف الدستور.

وأضاف السيد أنه في ظل دستور 1923 كانت هناك لجنة الخمسين وأثيرت فكرة الرقابة الدستورية والتي لم تر النور في ذلك دستور وظل الحال كذلك إلى أن صدر دستور 1964 وصدر قانون المحكمة العليا عام 1969. وأوضح السيد أنه عقب ذلك صدر دستور 1971 متضمنا 4 نصوص ذكرت بشكل واضح مسمى المحكمة الدستورية العليا، ورغم ذلك لم يصدر قانون المحكمة الدستورية العليا إلا سنة 1979، مؤكداً أن المذكرة الإيضاحية لقانون المحكمة بررت التأخر 8 سنوات في إصداره نظراً لعرضه على الجهات القضائية ونقابة المحامين وكذلك لأنه كان هناك تردد قبل إصدار قانون المحكمة بشأن الرقابة الدستورية وهل ستكون سياسية أم قضائية؟، وهل ستكون رقابة سابقة أو لاحقة؟، وفي الأخير صدر القانون مستبعداً الرقابة السياسية والرقابة السابقة.

وأوضح السيد أن المحكمة الدستورية العليا منذ إنشائها عام 1979 وهي تمارس عملها في ترسيخ الحريات والحقوق، حيث أصدرت على مدى تاريخها أحكام عظيمة بعدم دستورية نصوص الكثير من قوانين، انتصرت فيها لحقوق المواطنين سواء الحقوق السياسية والانتخابات أو حقوق خاصة بالضرائب ومنها الحكم الخاص بضريبة العاملين في الخارج والذي صدر عام 1999، بالإضافة إلى أحكام عديدة كان للمحكمة من خلالها فضل عظيم في ترسيخ الحقوق والحريات ووضعت الأمور في نصابها. وذكر السيد أن المحكمة اعتمدت في العديد من أحكامها على المواءمة حتى لا تتسبب في بركان اجتماعي أو اختلال اقتصادي أو اضطراب في المراكز القانونية والحقوق المكتسبة، ومن بين هذه الأحكام عدم دستورية قوانين انتخاب مجلس الشعب والذي قالت فيها المحكمة إن أثرها يقتصر على حل مجلس الشعب دون بطلان التشريعات التي أصدرها لأنها قدّرت أن ذلك يعد هدما للتشريعات التي أصدرها ذلك المجلس وترتبت عليها مراكز قانونية.

واستطرد السيد أنه على الرغم من تعديل قانون المحكمة الدستورية العليا عام 1998 لمواجهة ما سماه بظاهرة الخشونة والصرامة الخاصة بامتداد آثار تنفيذ أحكامها بعدم دستورية النصوص حفاظاً على المراكز القانونية، ذلك التعديل الذي جعل أحكام عدم الدستورية تنفذ بأثر مباشر دون الأثر الرجعي إلا في المنازعات المتعلقة بالضرائب والحقوق المالية، غير أن تلك الخشونة والصرامة ما زالت مستمرة حتى الآن وعكسها حكم المحكمة الصادر عام 2015 بعدم اختصاص محاكم القضاء العادي بنظر المنازعات الضريبية، موضحاً أن هناك منازعات ضريبية قائمة من 20 سنة وما زالت تنظر أمام محكمة النقض، حيث أصبح الواقع أن محكمة النقض تنقض الأحكام الصادرة في تلك المنازعات وتقضي بعدم اختصاصها بنظرها وإحالتها إلى مجلس الدولة التزاماً بحكم المحكمة الدستورية العليا.

وأكد السيد أن حكم المحكمة الدستورية العليا المشار إليه لم يراع الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تحدث، كما لم يراع الحقوق والمراكز القانونية التي استقرت وتركها للجهات القضائية ومجلس الدولة، ومن ثم تكون النتيجة أن تلغي محكمة النقض الأحكام الاستئنافية الصادرة في تلك المنازعات استناداً إلى عدم الاختصاص وتحيلها إلى محكمة القضاء الإداري التي اكتظت بقضايا ومنازعات قائمة منذ 20 سنة. وتابع السيد : «وبالتالي يتوجب على المحكمة عندما يعرض عليها تفسير حكمها المشار إليه أن تقول إن الحكم بالفعل صادر في نص ضريبي ولكن يقتصر أثره على المنازعات الضريبية اللاحقة على صدوره وتصبح كل الأحكام الصادرة في المنازعات الضريبية قبل عام 2015 قائمة وواجبة التنفيذ ولا تنقض ولا تحال لمجلس الدولة حفاظاً على المراكز القانونية التي استقرت ولمساعدة الدولة في استيداء أموال الضرائب المتعلقة بتلك المنازعات».

وأوضح السيد أن المخرج من هذه الأزمة يقتضي أن تستشعر الحكومة أزمة تكدس المنازعات الضريبية القائمة منذ 20 سنة سواء في مقر محكمة القضاء الإداري بالعباسية أو في فروع المجلس بالمحافظات، وتتقدم بطلب تفسير تشريعي حول كيفية تطبيق هذا الحكم، أو تقيم منازعة تنفيذ أمام المحكمة، وتنتهز المحكمة الدستورية الفرصة وتقول إن حكمها الخاص بهذه المنازعات يسري من تاريخ صدوره ولا ينال من المراكز القانونية المستقرة سابقاً.

ومن جهته قدم الدكتور فتحي فكري، وزير القوى العاملة السابق وعضو لجنة العشرة لإعداد دستور 2014 وأستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، مداخلة بعنوان «دور السلطة التشريعية في الرقابة الدستورية» أكد فيها أن كل الفترات التي مرت بها مصر لم يكن فيها المشرع يساعد المحكمة الدستورية العليا في تطبيق الهدف الأساسي لإنشائها والمتمثل في إخضاع الحاكم للقانون، إلا أن هذا لم يمنع المحكمة الدستورية من إصدار أحكام هامة مثلت ومضات مضيئة انتصرت فيها للحقوق والحريات.

وقدم فكري خلال مداخلته تعريفاً للقضاء الدستوري باعتباره الساحة التي نرى فيها التطبيق الواقعي لخضوع الحاكم للقانون، موضحاً أن خضوع المحكومين للقانون لا يحتاج إلى إجراءات معقدة ويتم من خلال الأدوات التي تملكها السلطات العامة والتي تمتلك سلطة إجبار المحكوم على احترام القانون سواء كان دستورياً أو غير دستورياً، إنما المشكلة الأساسية تتمثل في خضوع الحاكم الذي يمتلك الوسائل التي يمكن أن يجبر بها الآخرين فهل من الممكن أن يجبر بها نفسه على احترام القانون.

وأوضح فكري أن المواطن حينما يقيم دعوى دستورية - بالطرق القانونية- ويطالب فيها بعدم دستورية قانون معين فإن خصمه الأساسي يكون مجلس النواب، وكذلك الحال فإنه حينما يقيم دعوى يطالب فيها بعدم دستورية لائحة ما فإن خصمه الأساسي هو السلطة التنفيذية، ومن ثم فإن القضاء الدستوري يمثل الساحة التي يمكن أن نُقدِّر منها كيف يمكن إخضاع الحكام للقانون كمصدر لدولة القانون وسيادته. وأكد فكري أن على مدار مختلف الفترات السياسية التي شهدتها مصر لم يضع المشرع القواعد التي تُيسر للمحكمة القيام بهذا الدور وذلك منذ اللحظة الأولى لظهور فكرة القضاء الدستوري، فعلى سبيل المثال وبالرجوع إلى المحكمة العليا نجد أن هذه المحكمة لم يكن يقصد منها على الإطلاق فكرة إخضاع الحاكم للقانون، بل كان يقصد منها تسييس القضاء وإصداره للأحكام التي توافق السلطة السياسية، والدليل على ذلك أن من يطّلع على المذكرة الإيضاحية لقانون إنشاء تلك المحكمة يجد العبارة الآتية «إن الأحكام القضائية لم تعد تواكب التطورات الحادثة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية سواء من حيث القصور التشريعي أو القصور في تفسير التشريع من قبل القضاة»، ومن ثم يثار هنا التساؤل حول هل يعني ذلك شيئاً بخلاف أن الأحكام ينبغي أن تصدر وفق توجهات السلطة السياسية القائمة في ذلك الوقت.

وأشار فكري إلى أن ما يعزز تلك الفكرة أيضاً الإجراءات اللاحقة على إصدار قانون المحكمة العليا سواء المتعلقة بتعيين قاض متقاعد رئيساً لها وبغير التقيد بأي شروط، وكذلك فيما يتعلق بجعل مدة شغل عضوية المحكمة 3 سنوات قابلة للتجديد من عدمه وفق ما سيصدرونه من أحكام، بالإضافة إلى أن قانون المحكمة جعل الوسيلة الوحيدة لصدور أحكام عدم دستورية القوانين هو أن يدفع الخصوم بعدم دستوريتها على النحو الذي يجعل المحكمة تطبق القوانين التي تصدرها السلطات حتى وأن كانت متأكدة من أنها غير دستورية طالما أغفل أو تغافل الخصوم الدفع بعدم دستوريتها أو لم يكن في وسعهم العلم بأن هذا القانون مشوباً بعدم الدستورية، وبالتالي فهل هذا يدل على أن إنشاء المحكمة العليا كان القصد منه احترام الحاكم للقانون؟

وتابع فكري : «أنا أعتقد أن الأجابة لا، وأؤكد على أن هذه النقطة تركت رواسب ومازالت آثارها السلبية باقية حتى الآن» موضحاً أن من بين هذه الرواسب أنه لدى الدفع بعدم دستورية نص أمام محكمة النقض يتم الرد على الدفع بأن النقض محكمة قانون وأن الدفع بعدم الدستورية موضوعي ولا يطرح لأول مرة أمام محكمة النقض فهذا شيئ لا يمكن تصوره ومع ذلك فإن بعض أحكام النقض حتى هذه اللحظة تتينى وجهة النظر تلك نتيجة التوجس الذي تسرب للقضاء الدستوري من المحكمة العليا. وأكمل فكري: «الأمر الآخر أن محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا خلافاً للدستور تشارك بطرق فنية في الرقابة الدستورية ولا تعرض الأمر على القاضي الوحيد الذي يملك القول الفصل في دستورية القوانين وهو القاضي الدستوري، حيث أن هناك العديد من الأحكام التي تشير إلى أن المحكمتين تشاركان المحكمة الدستورية العليا في الرقابة الدستورية نتيجة الرواسب المشار إليها».

وانتقد فكري مسلك مجلس النواب الحالي بعدم المبادرة لتنفيذ حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في مايو 2018 بعدم دستورية النص الخاص بالإيجار القديم للأشخاص الاعتبارية بغير غرض السكنى، والذي كان من المقرر أن يتم تنفيذه وفقا لما نطقت به المحكمة بعد نهاية الدورة البرلمانية الماضية مباشرة، لكن المشرع لم ينهض لتنفيذ هذا الأمر، مما يعتبر عقبة في مسار تنفيذ حجية القضاء الدستوري. وأشار فكري إلى أن هذا حصل رغم أن المحكمة الدستورية بالغت، في رأيه، في المواءمة عندما أرجأت موعد تطبيق الحكم فلم تجعله نافذا بمجرد صدوره، وعندما استغرقت سنوات طويلة لدراسة القضية، مشددا في الوقت نفسه على أن هذا الحكم لا يسري على إلإيجار للأشخاص العاديين ولغرض السكنى. وانتقد فكري أيضا عدم التزام مجلس النواب بإصدار العديد من القوانين المكملة للدستور في المواعيد التي نص الدستور عليها كتنظيم ندب القضاة والعدالة الانتقالية، وقال: "في رأيي لا يوجد نص دستوري غير ملزم حتى بشأن المواعيد، والدليل على ذلك أن مجلس النواب التزم بالتوقيت بشكل صارم عند مناقشة القوانين التي أصدرها رئيس الجمهورية قبل تشكيله".