في ندوة بالوحدة ... قاضيان بالمحكمة الدستورية يشرحان تطور مبادئ الحقوق وأشكال الرقابة

الاثنين 25 نوفمبر 2019

 

 

نظمت وحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية، أمس الأحد، ندوة علمية لإحياء الذكرى الخمسينية لإنشاء القضاء الدستوري المصري وذلك بالقاعة الشرقية بمقر الجامعة الأمريكية بميدان التحرير، بمشاركة المستشارين د. محمد النجار ود. عبدالعزيز سالمان، نائبي رئيس المحكمة الدستورية العليا، وسط حضور كبير من القضاة والمحامين وطلبة كليات الحقوق والباحثين في المجالات المتصلة بالقانون.

وفي البداية قال مدير الندوة محمد بصل، منسق مشروع الأرشيف بوحدة أبحاث القانون والمجتمع، إن القضاء الدستوري المصري من الكيانات القانونية التي شهدت خلال نصف قرن تطورات كبيرة على مستوى المبادئ القضائية، وأشكال الرقابة، مما انعكس بالإيجاب على مقاربة المحكمة الدستورية العليا للأشكال الحديثة من الحقوق والحريات والتي قطعت في ترسيخ بعضها أشواطاً أكبر من المحاكم الأخرى، وذلك في سياق أدائها لدورها في حماية المجتمع والدستور من ظاهرتين أساسيتين هما العصف بالحقوق والحريات المكفولة دستورياً بواسطة القوانين التي تضعها السلطة التشريعية أو السلطة التنفيذية في حالات الاستثناء واللوائح المنظمة لها، والالتفاف على النصوص الدستورية أو تجاهلها أو تفريغها من مضمونها.

وعرض بصل خلال كلمته إحصائية للأحكام الصادرة من القضاء الدستوري على مدى نصف قرن وتصنيف تلك الأحكام وفقاً لأنواع الدعاوى، أظهرت أن العدد الإجمالي للأحكام بلغ 7098، أصدرت منها المحكمة العليا من 1969 إلى 1979 عدد 244 حكماً، ثم أصدرت المحكمة الدستورية العليا 6854 حكماً، منها 941 أحكاماً موضوعية صدرت سواء بدستورية نصوص أو بعدم دستوريتها، وأن عدد الدعاوى المنظورة حالياً أمام المحكمة يبلغ 49 دعوى، فيما يتم تداول 1389 دعوى قيد التحضير بهيئة المفوضين بالمحكمة.

وأظهرت الإحصائية أن القضاء الدستوري على مدار مسيرته حسم 1010 دعوى تنازع اختصاص بين المحاكم المختلفة وأنجز 49 طلب تفسير لنصوص المواد الدستورية، وحسمت 489 دعوى منازعة تنفيذ بشأن أحكامها، وقضت بعدم قبول 4043 دعوى، فيما بلغ عدد أحكام تأييد دستورية القوانين 493 دعوى، أما أحكام عدم دستورية النصوص واللوائح فبلغت 448 حكماً.

ثم قدم المستشار محمد النجار، ملخصا لورقة بحثية أعدها حول تطور مفهوم النص الدستوري في قضاء المحكمة الدستورية، مركزا على اتجاهات القضاء الدستوري منذ إنشائه ومواكبة أحكامه للتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري سواء في الحقبة الناصرية أو مع بداية عصر الانفتاح الاقتصادي، كما ركز على إبراز المبادئ التي أقرتها المحكمة في شأن حقوق الملكية والمساواة والتقاضي والحقوق السياسية وضوابط التشريع الجنائي كتأكيد قرينة البراءة وضرورة توافر عنصر العلم بغرض الجريمة للإدانة وضرورة تفريد العقوبة وتناسبها مع الجرم.

وذكر النجار أنه لا يمكن إطلاق عنان العدالة بعيدا عن توازنات المجتمع، وأن بعض الأحكام التي صدرت في حقبتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي توافرت فيها حنكة تقليص الآثار الجسيمة لعدم الدستورية وتوجيه المشرع، مما انعكس على صدور قوانين جديدة تتضمن أحكاما مواكبة لمبادئ المحكمة، كما حدث في مسألة الإشراف القضائي على الانتخابات.

وأشار إلى سابقة تطبيق الدستورية مبدأ تغير تفسير النصوص الدستورية بتغير حالة المجتمع وبالتقدم التاريخي وظهور مقتضيات جديدة للتعامل مع النص وتغليب تفسير إرادة المشرع عند وضع النص على الألفاظ المستخدمة، كما حدث في حكمها بتأييد الخصخصة في ظل نصوص دستورية تعلي شأن القطاع العام وقيادته للمجال الاقتصادي، لافتا أيضا إلى الدور الذي لعبته المحكمة في تحرير السوق في ظل اتجاه الدولة للانفتاح الاقتصادي رغم تكبيلها بنصوص دستورية تصف الدولة بالاشتراكية وذلك على أسس من حماية الملكية الفردية والإنتاج الخاص مع أخذ اعتبارات الحماية الاجتماعية للفقراء في الحسبان.

أما المستشار عبدالعزيز سالمان، فعرض ورقة بحثية أعدها حول دور المحكمة في الرقابة القضائية على قصور التنظيم التشريعي، أو ما يعرف قانونياً برقابة الإغفال، حيث أكد في بداية حديثه أن مصر عرفت القضاء الدستوري منذ 100 عام وليس منذ نصف قرن فقط منذ تأسيس القضاء الدستوري المركزي، مؤكداً وجود قضاء دستوري غير مركزي سابقاً على هذه الفترة كانت تقوم به سائر الجهات القضائية والتي كانت تعمل رقابتها الدستورية على نصوص القوانين وتمتنع عن تطبيق النص الذي كانت تراه مخالفاً.

وأكد سالمان أن المحكمة الدستورية العليا منذ إنشائها وحتى الآن تباشر دوراً غير مسبوق في مجالات اختصاصها على مستوى عالمي، وتأتي في المرتبة الأولى على صعيد الوطن العربي والشرق الأوسط، مشدداً على حرص المحكمة منذ انطلاقها على حماية الحقوق بشكل واسع، حتى أنها لم تكتفي في سبيل ذلك بممارسة اختصاصها في رقابة دستورية العبارات التي تتضمنها النصوص القانونية وحسب، وإنما إصرار المحكمة على الحماية الأوسع للحقوق والحريات جعلتها تمد رقابتها على مسألة ما يعرف بمعالجة قصور التنظيم التشريعي، والتي يضع فيها المشرع نصاً قاصراً يغفل فيه جانباً من الجوانب الهامة التي لا يُحمى الحق إلا به، ومن ثم تتدخل المحكمة لمعالجة ذلك الإغفال بالحكم بعدم دستورية النص القانوني فيما لم يتضمنه من إقرار للحق.

وضرب سالمان أمثلة لذلك النوع من المنازعات من واقع الأحكام التي أصدرتها المحكمة، موضحاً أن المحكمة سبق وأن أصدرت حكماً بعدم دستورية قانون نزع الملكية للمنفعة العامة، فيما لم يتضمنه من النص على تعويض المتضررين من إجراءات نزع الملكية وآليات تحديد وصرف التعويضات، كما أبطلت نصوص تجريم إتلاف المحميات الطبيعية لعدم تضمين القانون لآليات واضحة تتضمن حصراً جغرافياً لتلك المحميات على مستوى الجمهورية وخرائط تبين حدودها.

وخلال فقرة الأسئلة ورداً على سؤال حول متى سيتم إدخال نظام التقاضي الإلكتروني للمحكمة، قال المستشار محمد النجار، إن المحكمة بالفعل لديها منصة إلكترونية يتم أولا بأولا تحميل ملفات الدعاوى المتداولة أمام المحكمة عليها بما تشمله من مذكرات وحوافظ، غير أن الدخول إليها مقتصر على أعضاء المحكمة، مستطرداً أن ذلك التنظيم يتسع لتمكين المحامين من التواصل مع المحكمة سواء بالإطلاع على القضايا التي تخصهم أو في تقديم المذكرات، إلا أن ذلك الأمر غير مفعل ولم يتح الموقع حتى الآن خاصية تقديم صحيفة الدعوى الدستورية إلكترونياً، لأسباب خارجة عن إرادة المحكمة، نظراً لأن الأمر يحتاج لتدخل تشريعي لإقراره بالإضافة إلى آليات إلكترونية أخرى – باهظة الثمن - متعلقة بمنح المحامين أكواد معينة تمكنهم من التعامل على ذلك النظام.

ورداً على سؤال آخر حول مدى إمكانية إدخال نظام إقامة الدعوى الدستورية المباشرة أمام المحكمة، والتي تمكن أي مدع لديه مشكلة مع نص قانوني أن يطعن عليه مباشرة بعدم الدستورية أمام المحكمة دون الاقتصار على الآليات التي نص عليها القانون في هذا الشأن بإحالة الطعن للمحكمة الدستورية عن طريق محكمة أخرى أو تصريح تلك المحكمة بالطعن على النص المشكوك في دستوريته أمام المحكمة الدستورية العليا، قال المستشار عبد العزيز سالمان، إنه وقبل عمله في المحكمة الدستورية العليا، أوصى في رسالة الدكتوراة الخاصة به والتي ناقشها عام 1994 بالسماح بإدخال نظام الدعوى الدستورية المباشرة على نظام التقاضي أمام المحكمة الدستورية العليا، إلا أنه وبعد عمله بالمحكمة واطلاعه على الواقع داخلها تبين له أن هناك صعوبات بالغة قد تواجهها المحكمة إذا ما تحقق ذلك، قائلاً : «من المستحيل أن أفتح الباب أمام المحكمة أمام 120 مليون مصري غاويين تقاضي وهناك من يهوى عرقلة العدالة دائماً، إحنا بنصرخ من أحد المحامين يقيم عشرات الدعاوى بصفة يومية ليس لها أي أساس، ولا يحصل إلا على أحكام عدم القبول ولكنه لا يتوقف».

وأوضح سالمان أنه من الأولى أن يطلب المحامون بدلاً من الدعوى المباشرة إدخال نظام الطعن المباشر على أحكام المحاكم بتقدير جدية الدفع بعدم الدستورية، والتي تصدر في الحالات التي يطالب فيها المحامي من المحاكم الأخرى إحالة الطعن إلى المحكمة الدستورية العليا وترفض تلك المحاكم الإحالة؛ حتى تكون هناك ضوابط لهذه المسألة وحتى لا تكون متروكة للقاضي العادي يتصرف فيها كما يشاء.